skip to main |
skip to sidebar

2:25 ص

حل مشكلة
No comments
حوادث 9 أفريل 1938 في فكر زعيم الشباب علي البلهوان كانت حوادث 8 و9 أفريل 1938 امتحانا للمرحوم علي البلهوان الذي قاد تلك المظاهرة الصاخبة المؤلفة من آلاف التونسيين والتونسيات وقد ألهبهم الحماس الوطني الفيّاض، فهتفوا طويلا في شوارع العاصمة منادين: «برلمان تونسي! برلمان تونسي!» وبذلك أسمعوا المستعمر الفرنسي صوت الشعب الغاضب، صوت المظلومي...ن والأميين والمقصيين والمهمّشين وزفرات المرضى المطالبين جميعا بحقهم وحق تونس في الحرية والاستقلال والكرامة واستعادة الحرية المسلوبة.لقد تأثر المرحوم علي البلهوان بأحداث 8 و9 أفريل، واعتبرها حدا فاصلا بين السّبات والحركة، وبين النوم واليقظة، وبين الخذلان والوعي، فهي أحداث ساهمت في توعية أبناء تونس بضرورة الوقوف صفا واحدا في وجه العدو الفرنسي للمطالبة بحقوقهم في برلمان تونسي وحكومة تونسية وصولا الى الاستقلال، وقد كتب عنها المرحوم الزعيم علي البلهوان مقالات قيمة ودراسات عميقة وكثيرة، وهو الذي ألّف عن الحركة التحريرية وعن الشباب وعن الثورة التونسية، عموما، سواء في كتابه المرجع «تونس الثائرة» أو في غيره من الكتب وأشهر الصحف والمجلات. فلا غرو أن يلقب علي البلهوان بزعيم الشباب أو بزعيم 9 أفريل، فقد ولد في الربيع، وقاد المظاهرة في ذلك الربيع من سنة 1938، وتوفي في الربيع يوم 9 ماي 1958 بعد أن تحرّرت البلاد ونال الشعب استقلاله.ولقد كان ذلك الرجل رحمه اللّه شجاعا وجريئا، صادقا ووطنيا نظيفا الى أبعد الحدود، صريحا صادقا من غير تحفّظ، إنه يهاجم الاستعمار جهرا، ويشهّر بأعماله الدنيئة وبتصرّفاته الوحشية تجاه أبناء شعبنا، ولم يخش السجون ولا المنافي ولا الإقصاء من قبل المستعمر الفرنسي، وظلّ يبثّ الوعي في صفوف الشباب تلاميذ وطلبة وفي جموع الشعب، في كل الاجتماعات، وينشر أحسن المقالات على صفحات أكبر المجلات وفي كل كتب ومقال وخطب كان يتوخّى الصراحة دون مراوغة أو مجاملة ويبسط قضايا المجتمع، ويؤدي دور المثقف على أحسن ما يرام.لقد استغلّ المرحوم علي البلهوان كل المناسبات (إبّان فترة الاستعمار) ليدعو الناس الى مواصلة النضال، والى العمل والجهاد والاجتهاد من أجل إحلال التونسي المقام اللائق، به، ودعا الى التعلّم والقضاء على الأمية، ووجّه تلاميذه وكل الشباب الى العلم، وحثّ الأثرياء من أبناء الوطن الى التوقف قليلا عن جمع المال وأن يجودوا بالتبرّع الى المحتاجين بالمال حتى يتمكن الفقراء من مواصلة دراساتهم، داخل تونس وخارجها، ولا أدلّ على ما نقول من ذلك النداء الذي توجّه به، في جريدة «الزهرة» سنة 1947 لمؤازرة الطلبة التونسيين حتى يكملوا تعليمهم، بمناسبة تنظيم «يوم الطالب» من (جمعية قدماء الصادقية) بعنوان مؤثر رنان: «جودوا على العلم»، جاء فيه قوله: «العلم غذاء النفوس، والأمة الجاهلة جسد بلا روح، وآلة مسخرة، الجهل عبودية ورقّ، والشبيبة التونسية تدعو أمتها الى كسر الأغلال، وفكّ الرقاب من تلك العبودية.. الجهل ظلام وضلال.. فهل يبقى أبناؤنا في الظلام وهم يسعون الى إخراجنا الى النور؟ وهل نبخل ببعض المال الضئيل على من سيأتي إلينا بكنز لا يفنى فنضيع الحاضر والمستقبل؟».* هويةلقد واصل الزعيم علي البلهوان الكفاح في أحلك فترات معركة التحرير والقمع الاستعماري بروح الثائر وعزم المناضل وصدق الغيور على وطنه وشعبه، وواصل بعد ذلك العمل والبذل في سبيل تركيز مقومات الدولة، إبّان الاستقلال، ولكن المنية لم تمهله، فمات ولم يبلغ الخمسين من عمره، وقد ترك أطيب الأثر في الشعب التونسي وفي الوطنيين الصادقين، وخلف رصيدا هائلا من المقالات والمؤلفات تبيّن مدى وطنيته وحبّه لتونس وتفانيه من أجل شعبها، وتظهر ثقافته العالية، وحسّه الوطني العالي، وغيرته على طلبته وتلاميذه وتوعيتهم، كما يتضح مما كتب في أهم الجرائد والمجلات غيرته على هويته العربية الاسلامية إحياء لمقاصد الشريعة الاسلامية، وإظهار الوجه الناصع للفكر الاسلامي من خلال كتابه «ثورة الفكر أو مشكلة المعرفة عند الغزالي»، وهو بذلك يقدم للشباب أمثلة حية للمجدّدين المفكّرين الأحرار الذين جاهدوا في سبيل نشر الدين الصحيح، باعتباره أحد مقومات الشخصية التونسية حتى يجنّب أبناءنا التفسّخ أو الذوبان في الغير. ولقد كان للمرحوم علي البلهوان أسلوب خاص في الكتابة والخطابة فريد من نوعه، بحيث كان لخطبه الحماسية وقع كبير في النفوس، وتأثير عميق لدى السّامعين أو القرّاء، وفي ذلك يقول المرحوم محمد الفاضل بن عاشور متحدثا عن خصائص كتاباته: «لم يزل مرانه الخطابي يمدّ روحه، وسموّ ثقافته يرفع بيانه، وسعة مطالعته ودراسته للأدب تهذب تعبيره، حتى أصبح بين أقرانه الخطيب الممتاز الذي لا ينازل طول نفس، وسلامة تركيب وفصاحة لفظ وبلاغة جملة.وقد صدق عميد المناضلين أستاذنا الكبير المناضل الرشيد ادريس الذي التقيت به بمكتبه منذ يومين فقط، للتثبّت من معلومة تاريخية (وما أجمل المعلومات الصحيحة الواضحة) حيث قال عن الزعيم علي البلهوان: «إنه كان رجل فكر وأخلاق ولعله كان مثل الكثيرين من أبناء جيلنا أو أكثر منا بقليل، إنه رجل إعلام إنه كان يرجو ويتمنّى أن تنعكس في المجتمع التونسي كل ما انتفى من آراء مثالية درسها في دروس الفلسفة والآداب. وحلم بها وهو شاب ولكنه كان يرى الواقع يتطور بالبلاد وأهلها يشاد ما يشاد ويشوه ما يشوه ويقام ما يقام ويهدم ما يهدم، وما أيسر الهدم وأصعب البناء، لقد كان البلهوان في آخر أيام حياته وهو أول رئيس لبلدية تونس العاصمة والمسؤول على مصير معالمها أمام مشكلة ترمز الى التحول الذي كان حاصلا في تونس وهي مشكلة هدم معالم قائمة وشوارع كاملة في حين أن حركة البناء بطيئة وباهظة.هذه على كل حال لمسة وفاء موجزة ومختصرة نحو زعيم ومناضل كبير وركن من أركان نهضة تونس الحديثة، ومجاهد في سبيل استقلال تونس، توفي بعد 754 يوما من حصولنا عليه، مات لا يملك مسكنا ولا رصيدا ضخما في البنوك ولا شريكا أو مساهما في رؤوس أموال الشركات أو مالكا لأشهر الضيعات الفلاحية أو أكبر وأضخم العقارات والعمارات، وكان موته إثر نوبة قلبية أصابته ذات يوم، فتوقّف نبضه ولكن روحه باقية خالدة مرفرفة بيننا نستلهم منها مزيد البذل وروح العطاء لخدمة هذا الوطن العزيز الذي استشهد من أجله آباؤنا وناضل من أجله آباؤنا وأجدادنا، ونحن كلّما استعرضنا السيرة الذاتية لمثل ذلك الزعيم علي البلهوان أدركنا الخدمات الجليلة وسلوك أبطال تونس المكافحين من أجل الحصول على استقلال شعبنا، وأصبح من الواجب علينا أن نتأمّل جيدا في سيرتهم وسلوكهم وجليل مآثرهم، وصادق إنتاجهم ومخلفاتهم الاعلامية والفكرية والنضالية التلقائية لنجلي عنها غبار النسيان، إشادة بدورهم الطلائعي وترحما على أرواحهم الطاهرة الزكية.Afficher la suite
0 التعليقات:
إرسال تعليق